الكرونا والاقتصاد العالمي

0

مع نهايات العام 2019 كانت المخاوف حول العالم من أن يتعرض الاقتصاد العالمي إلى حالة من الكساد في العام الجديد 2020، وعلى أساس تلك التوقعات بدأت الحكومات ترتب أوضاعها وتعدل من طباعها بما يتماشى مع الاحتمالات المرتقبة.
على أن أحداً لم يكن يخيل إليه أن يصبح 2020 عاماً مثيرا للمخاوف والجدل على صعيد اقتصاديات العالم برمتها من جراء فيروس لا يرى إلا بالميكروسكوبات المعظمة جدا، ومع ذلك فقد استطاع أن يوقف حركة البشر، وها هو المشهد يعود بنا إلى ما يشبه الأزمنة البدائية الأولى، حيث الدول جزر منعزلة، وتراجعت خطوط وحظوظ العولمة إلى الوراء، ولولا ثورة التكنولوجيا والاتصالات لربما ارتدت البشرية إلى العصور الحجرية، وحتى هذا لن تقوى عليه، ولن تعرف إليه سبيلا.

لعل الحقيقة المؤلمة التي لابد من المصارحة بها هي أن اقتصاد العالم في 2020 سوف يؤثر بشكل كبير على أحوال الاقتصاد طوال العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، وقد يهون العنصر الاقتصادي على أهميته إذا نجح العلم في استنقاذ البشر من هول هذه الجائحة.
في تقرير لها أوائل مارس الجاري أفادت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في بيان لها من مقرها الرئيس في العاصمة الفرنسية باريس أن إجمالي الناتج المحلي العالمي سوف ينمو بمقدار 1.5% إذا انتشر فيروس كورونا على نطاق أوسع في جميع أنحاء آسيا واوربا وأميركا الشمالية، وهذه النسبة في واقع الحال هي حوالي نصف معدل النمو البالغ 2.9% الذي كانت توقعته المجموعة لعام 2020، قبل اندلاع الفيروس، الأمر الذي قد يدفع باليابان وأوربا إلى ركود اقتصادي.
ما توقعته المنظمة الدولية حدث بالفعل، وها هو الفيروس اللعين يضرب كافة دول آسيا لتصاب حركة الطيران بشلل شبه تام، لا سيما في ضوء إغلاق معظم دول العالم حدودها الجوية والبرية والبحرية أمام الغير، في محاولة لتجنب انتقال مزيد من العدو إليها أو منها.
هل كان الاقتصاد العالمي في حاجة إلى كورونا لكي يصاب بأزمة جديدة؟
الشاهد أن التوترات السياسية والتجارية التي جرت بها المقادير في الأعوام الثلاثة الماضية، لا سيما من جهة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وصراعه المعلن تارة والخفي تارة أخرى مع الصين، قد ترك تأثيرا سلبيا كبيرا جدا على خطوط وحظوظ الاقتصاد العالمي حول الكرة الأرضية.
ولعل الواقع يبين لنا أن أزمة كورونا لن توفر أحدا، لا بكين ولا واشنطن، فالأولى اصيبت في قلب المدينة التي تشكل عصب الاقتصادي الحقيقي لها، أي مدينة ووهان، حيث غالبية صادرات الصين إلى الخارج تجري من خلالها، ويحتاج الاقتصاد الصيني إلى مزيد من الوقت للتعافي، وهو وقت قد يطول، فالازمة في بداياتها، ولا يعرف أحد على المستوى الطبي ما اذا كانت الصين قد تعافت بالفعل مرة والى الأبد، لا سيما أنه هناك حالات يومية تصاب بالكورونا، وان كانت أقل بكثير جدا مما كان عليه الأمر في الأشهر الثلاثة المنصرمة، كما ان هناك مخاوف من ان يتحور الفيروس إلى اشكال أخرى غير معروفة تسبب المزيد من الأذى للصينيين.
اقتصاد 2020 لن يكون سلبيا ومن أسف فيما يخص الصين فقط، إذ سيمتد المشهد إلى عموم آسيا أيضا، الأمر الذي اكده البنك الآسيوي للتنمية، والذي اشار الى أن فيروس كورونا سيقلص النمو الاقتصادي في آسيا النامية وفي انحاء العالم، لا سيما أنه سيقود حكما إلى تراجعات حادة في الطلب المحلي والسياحة ورحلات الاعمال والتجارة وروابط الانتاج فضلا عن تعطيل الامدادات مما سيضر النمو بآسيا.
على الجانب الآخر من الاطلسي لا تبدو حظوظ أميركا في النجاة طيبة، بل يخشى المراقبون من أن تكون الهاوية الاقتصادية العالمية تبدأ من أميركا لتصيب العالم برمته اصابة تذكر الجميع بزمن الكساد العظيم في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين.
تبدو أميركا أمام أكبر أزمة مالية معاصرة، هذه هي الحقيقة التي لا مفر من مواجهتها، لا سيما بعد انهيار البورصة في وول ستريت، ما يعد الاسوأ منذ الاثنين الأسود الذي حدث في 1987، ما دفع البنك الفيدرالي الأميركي لضخ 1.5 تريليون دولار لدعم أسواق المال المتوترة، وهو اكبر إجراء له منذ الأزمة المالية التي خلقتها قضية الرهونات العقارية في العام 2008.
تتخطى الأزمة في الولايات المتحدة الأميركية خطوط الاقتصاد لتقفز إلى سياقات السياسة، وقد بدأنا نستمع لتحليلات تمزج ما بين الأمرين، وتصدر من موسكو تارة ومن بكين تارة، وجلها يتساءل: “هل يتسبب الانهيار التاريخي في أسواق الأسهم العالمية عامة والأميركية خاصة في نهاية مشروع العولمة الاميركي، ذاك الذي نظر له المحافظون الجدد عندما وضعوا لبنات القرن الأميركي في “وثيقة القرن” العام 1997؟
مؤكد أن أي محلل اقتصادي ولو في بدايات طريقه سوف يدرك أن شيئا ما جلل سوف يضرب ابواب أميركا، التي ستشهد ارتفاعا في اسعار الاستهلاك وانخفاضا في القدرة الشرائية للدولار، ما سيجعل الوضع اسوأ بكثير مما شهدناه قبل 10 إلى 12 سنة.
هل يكون 2020 عام مراجعة التوجه الاقتصادي العالمي المعروف باقتصاد “بريتون وودز”، والذي يقود مسيرة العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى الآن؟
في كل الأحوال ومهما يكن من شأن الجواب، فإن البشرية تحتاج في اللحظة الراهنة لمزيد من التضامن الإنساني لعبور المحنة، تحتاج إلى اقتصاد يتجاوز براغماتية الرأسمالية التي سلعت الإنسان إلى مساقات اقتصادية غير مرتبطة بعولمة متوحشة، العالم في حاجة إلى اقتصاد انسانوي، فقد أظهرت الأزمة أن العالم الذي يفاخر ويجاهر بقوته وجبروته، ضعيف أيما ضعف أمام ما لا يرى من مقدرات الطبيعة وكائناتها.
قد تكون 2020 سنة محنة من جانب، لكنها من جانب آخر ربما تصبح سنة منحة إلهية يتوقف فيها العالم مع ذاته، ويراجع تطلعاته، فكل شيء قبض الريح، بما في ذلك البشر أنفسهم في الحال والاستقبال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.